لطيفة أيت الكريف تكتب: شهادة حق

25 يناير 2022
 
لم تتخيل مريم يوما أن رسالة من بضع كلمات ستغير حياتها، رسالة زلزلت استقرارها دبت الرعب في نفسها مابوسعها فعله؟
هل تستجيب للمطلوب ؟
أم تدع القدر يتولى مصيرها ؟؟
 
مريم تلك الفتاة العشرينية الجميلة صاحبة الوجه الملائكي والقلب البريء؛ طالبة جامعية عاشقة للكتب ومحبة للهدوء مريم التي لطالما اعتادت السير لوحدها من البيت إلى الجامعة ومن الجامعة إلى البيت؛ لأن علاقتها بطلاب الجامعة لا تتعدى حدود الصرح الجامعي فهي تصاحب شخصيات الروايات أكثر مما تصاحب الفتيات….
 
في طريق عودتها من الجامعة جلست مريم كعادتها على أحد المقاعد المتواجدة في إحدى الغابات الهادئة لتقرأ بعض الصفحات من كتاب كانت قد بدأته؛
وبينما هي منغمسة في القراءة و شاردة في عالمها الخاص إذ بصوت غريب يفسد خلوتها.
 
نهضت مريم مسرعة وهي تحاول تتبع الصوت ومعرفة مصدره والخوف بدأ يتسلل إلى قلبها شيئا فشيئا.
الصوت كان قادما من داخل الغابة ويبدو أنه صوت فتاة تصرخ.
توغلت مريم داخل الغابة وهي ترتجف إلى أن وصلت إلى مصدر الصوت.
 
كان صوت صرخات فتاة مسكينة تحاول مقاومة شابان أرادا سرقة حقيبتها لم تستطع مريم التقدم أكثر لتقديم المساعدة فالشابين كان قويين جدا لذلك اكتفت بالإختباء خلف شجرة والمشاهدة من بعيد؛ فيما كانت الفتاة المسكينة تقاوم محاولة الحفاظ على حقيبتها مما دفع المجرم إلى إخراج سكينه ثم انهال عليها بالطعنات دون رحمة ليسقطها أرضا دون حراك !
 
تجمدت مريم في مكانها من هول المنظر !
هرب المجرمان بعيدا ومعهما الحقيبة بينما أسرعت مريم لتفقد الفتاة.
إنها تتنفس !
إنها على قيد الحياة !
 
رددت مريم تلك العبارات وهي ترتجف ثم اتصلت فورا بالإسعاف والشرطة و بعد جهد كبير وبفضل مريم إستطاع الأطباء بأعجوبة إنقاذ حياة الفتاة المسكينة التي وضعت تحت العناية المشددة !
 
في الجانب الآخر كانت مريم في مركز الشرطة تدلي بشهادتها في القضية وبعد ساعتين من البحث إستطاعت مريم التعرف على المجرمين من خلال صورهما المتواجدة في أرشيف المركز؛ شكر رجال الأمن مريم على تعاونها وطلبوا منها القدوم إلى المحكمة في موعد محدد باعتبارها الشاهد الوحيد في القضية .
 
عادت مريم إلى منزلها بعد يوم شاق و مرهق لم تتخيل أنها ستمر بمثله في حياتها؛ خاصة وأنها تحاول الابتعاد عن المشاكل قدر المستطاع.
 
إستلقت على سريرها محاولة استرجاع شريط يومها، حقا إنه أحد أفلام الأكشن، كانت هذه آخر جملة نطقت بها مريم قبل أن تستسلم للنوم .
في اليوم الموالي إستيقظت مريم على صوت أمها وهي تنادي:
مريم لقد وصلتك رسالة !
خرجت مريم من غرفتها مسرعة وهي تتساءل :
ترى من أرسل لي رسالة ؟
فتحتها بسرعة وكلها حماس؛ وما إن وقعت عيناها على الكلمات حتى أصيبت بالدهشة؛ لم تتوقع مريم أن شهادة حق يمكن أن تفتح لها باب السعير على مصراعيه.
لم تكن تعلم أن مساعدة الآخرين يمكن أن تكلفنا الكثير.
إنها رسالة تهديد !
وأي تهديد ؟
إنه تهديد بالقتل.
جاء في الرسالة بالحرف :
“حياتك مقابل أقوالك؛ إن غيرت الأقوال لك الحياة وإن ابقيت أقوالك على ما هي عليه فهنيئا لك الموت”.
لم تستطع مريم إخفاء خوفها الشديد بعد ما قرأته ودخلت في دوامة من الأسئلة وهي تستمع لصوت صادر من أعماقها يردد :
صدقا لا أريد أن أموت الآن .
فكرت مريم في كل شيء، في حياتها و شبابها و طموحاتها وأحلامها.
فكرت في الكم الهائل من الكتب الذي تنوي قرائته ولم تقرأه بعد.
 
إنه لأمر محير حقا الإختيار بين الموت والحياة وإنها لقمة الظلم أن تتعرض شابة كمريم لهكذا أحداث.
 
بقي على جلسة المحكمة أسبوع كامل؛ كان مع مريم الوقت الكافي لتتخد القرار الذي تراه مناسبا .
كان أسبوعا صعبا جدا عليها؛ أرهقت فيها جسديا ونفسيا من كثرة التفكير .
أخيرا حان موعد الجلسة.
 
حضرت مريم للجلسة رفقة والدتها؛ كانت قد اتخدت قرارها واختارت الوقوف مع الحق وكلها ثقة أن القانون سيأخد حق الضحية السابقة ويضمن لها حقها كذلك.
أدلت مريم بشهادتها في المحكمة و طالبت بحمايتها من الذين يحاولون الاعتداء عليها .
وقد كان رد القاضي صريحا قال لها :
لا تقلقي يا ابنتي فأنت تحت حماية العدالة .
لقد تحققت العدالة في هذه الجلسة وأخد كل ذي حق حقه وعوقب من كان يستحق العقاب .
 
غادرت مريم قاعة المحكمة بوجه بشوش وقد رسمت على شفتيها ابتسامة عريضة وهي تهمس في أذن أمها قائلة :
وأخيرا إنتهى الكابوس !
 
ما إن اكملت جملتها تلك حتى مرت بجانبها دراجة نارية من الحجم الكبير؛ يركبها رجل قوي البنية؛ سريع الحركات؛ أخرج مسدسه بسرعة البرق؛ ليصوبه نحو مريم، مطلقا رصاصة تخترق صدرها لتقسم قلبها النقي شطرين.
ها قد تعالت الصرخات من جديد؛ صرخات كتلك التي استفزت مريم ودفعتها للتوغل داخل الغابة؛ ولكن المصدر هذه المرة كان مختلفا إنها نابعة من قلب والدة مريم الذي احترق على ابنتها .
ومع آخر دمعة تخرج منهما أغمضت مريم عينيها الجميلتين إلى الأبد!
وعلى صوت الصرخات غادرت مريم الحياة وهي تتساءل:
ترى هل سيكون هناك شاهد على قضيتي؟
 
لطيفة أيت الكريف – مدينة تارودانت

اترك تعليقا

لن يتم اظهار بريدك الالكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

: / :