فريد الخمال يكتب: وإذا الأحلامُ أُجهِضَتْ

29 ديسمبر 2019

بخطوات وئيدة دخلت الفتاة الثلاثينية ذلك المبنى الضخم، ثم دلفت إلى ممر وهي تدافع ما ألم بجسدها، حتى أطلت قاعة ممتلئة عن آخرها، وممرضة بزيها المعتاد. لمحت كرسيا فارغا فقصدته، جلست ناظرة حواليها تتصفح الوجوه. يخيّل إلى الناظر لهم للوهلة الأولى، أن مسحة واحدة شملتهم؛ وجوه شاحبة فقدت نضارتها، ونظرات حانية من عيون أرهقها الأرق. والوجع هو عنوان القاعة.

ساحت في المنظر، كمن وقعت في إغماءة طويلة، وشعرت بغصة عريضة تسد حلقها، كأنها نصل معقوف منعها من بوح أي كلمة، وادلهم المكان في عينيها، واللون الباهت ساد ناظريها، بدت ورود المزهرية ذابلة، وأقل جمالا، رغم اختلاف ألوانها. المرة الثانية لها في هذا المكان، وشعور مغاير للحصة الأولى ينتابها، الوجوه واجمة تشي بمعاناة أصحابها، المنتظرة دورها في حصة العلاج الكيميائي.

ابتدرتها سيدة أربعينية جالسة بجوارها، بعدما توقفت عن مداعبة هاتفها الذكي، وهي تحاول إبداء ابتسامة رقيقة على شفتيها، تطرد بها ما اعتلى وجهها من شحوب:

– أخيرا.. تم إصدار خبر دعم مصاريف علاج السرطان، وسنرتاح من طوابير الانتظار في المستشفيات، ويرتاح أسرنا من إذلال أنفسهم بالطواف على الجمعيات التي تقدم المساعدات بالمحسوبية، كما أن العلاج سيصبح متوفرا في أي مشفى.

تأملتها جيدا، وهي ترى البريق في عينيها الملونتين بلون البحر. ردت عليها والألم يعتصرها:

 هذه الإجراءات لا تخص بلادنا! فبلادنا لها ما يشغلها، وحلول تبحث عنها، فمجال الصحة ليس ضروريا، وأرواحنا ليست غالية إلى تلك الدرجة، التي تؤرق بالها به، كما أن لها مشاريع تدعمها؛ آخرها الدعوة لدعم قناة فضائية تحفظ أجسادنا، عفوا قصدت تحفظ تراثهم.. سكتتْ قليلا محاولة ملء رئتيها بالهواء، ومتنفسة بصعوبة، ثم استدركت قائلة:

– أما أجسادنا فغير مهم، ودعمنا لن يحفظ لهم شيئاً، كما أن المستشفيات متوفرة، وقاعات الانتظار فارغة، والعلاج متوفر! لا نحتاج إلى الدعم !

انطفأ ذلك البريق الذي كان يلتمع في عينيها، وأطرقت رأسها خجلا، فهمت حينها أنها قرأت الخبر، ولم تنتبه إلى اسم البلد، بسبب بصرها الذي أخذ ينقص تدريجيا، بسبب المرض الذي يفتك بها، ثم نهضت بجسمها المتعب، لما تمت المناداة عليها، وطردت من ذهنها حلما لم يتحقق، والألم يدك جسدها النحيل دكا، وتداعى له سائر جسمها بالحمى، وزاد من إنهاكها الانتظار ساعات طوال. ومشفقة على حالها، وحال المنتظرين أمثالها. وبقيت الفتاة الثلاثينية تترقب الأجواء منتظرة المناداة عليها، ووصول دورها. سابحة في بحر من الأسئلة، ولا جواب يرشدها إلى ساحله…

.

.

فريد الخمال: مدينة طنجة

اترك تعليقا

لن يتم اظهار بريدك الالكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

: / :