رشيد سكري يكتب: مومياء محنَّطةٌ أو صورة ” ميشال كاكو” في حيِّنا القديم .

19 نوفمبر 2019

  1. ينظر إلى الوراء …

    يخفف الخُطى … ويسرع في اتجاه الشارع الكبير . تغمر أضواؤه المنتشرة  كل الرَّدهات  وحتى الازقة و الدروب المتفرعة . مر خفيفا كالظل ، يصدر وشوشات  وهمهمات جرَّاء عياء باد على مُحيَّاه . تنمَّلت سيقانُه ، وترك جسده اللاَّغب تحت رحمة كلبه الضخم النافر، يرغي و يزبد فمه ؛ فيسيل لعابُه على الاسفلت . تضيق به الدوائر وتنفتح ؛ فيندفع به إلى الأمام كالثَّور الهائج .

   بالرغم من الكِمامة ، التي تطوق فمه ، وتشل حركة الفكين الضخمين ، استطاع أن يبرز منهما أنيابا صقيلةً بيضاءَ لامعةً تحت الضوء . في انحناءة خفيفة إلى الخلف ، تبدو قوائمه الخلفية المزغَّبة قصيرة بالمقارنة مع القوائم الأماميَّة ، ذات السَّواعد الطويلة ، تنتهي بأظافرَ منغرسةٍ في كُببٍ لحميّةٍ بُنية . رأسُه له لِبْدٌ أهْلبُ نابتٌ خلف أضلاع رباعيَّة الدفع ، تشد جسده المفتولَ بأوتارٍ و حبالٍ جلديَّة تزنِّرُه، و تُغلف قوامه الناهض ، فتهزُّ صدره نحو الأمام في شكل انسيابي . أذناه منتصبتان ، يتحسس بهما الأصوات المنبعثة من هنا و هناك ؛ فهما دائمتا الحركة  والدوران كاللاقط الهوائي . بعينين نجلاوتين يقظتين نَزَقاً ، يُناوشُ المارة ويتفرَّس في الوجوه العابرة ؛ كي يفسح الطريقَ ، أمام السيد كاكو، بساطا ممتدا بين جداول الدغل و غابات البشر المتكدسة على جانب الطرقات .

   يَنوص الكلبُ مندفعا كالسَّيْل الجارف ، و يجرُّ وراءه صاحبه المستسلم استسلاما قدريا لخيوط الرذاذ المتمسِّحة بالمكان … يرمي قدميه في تثاقل مهيض ؛ فيسبقان جسده المشدود إلى الوراء في ميلان خفيف ، كأنه فوق بساط من الريح . كل ما يربطه بالكلب ، سلسلةٌ ذات العيون الذهبية المضفرة ،  تنتهي بقبضة برونزية تُحدثُ صريرا ، عندما تتوتَّر بقوة الجر و الاندفاع .

  سُحنات وجه مسيو كاكو ، نَيََّفت على السبعين سنة  . رجلٌ رَبْعَةٌ ، أصعَلُ ، أنيق المظهر  والملبس ، وجهه مكتنز متحفّن و متجمّع جهة الصُّدغين . له ذؤَابة تغطي جبينه من فوق ؛ فترسل ظلها الرحيم ؛ كي تخفي وراءها رُضُوضا و تجاعيدَ هجرها الزمن . تاركة جبهته ترفل في  بياضها الفطري الناصع كالحليب .  غليونه لا يفارق شفتيه المتيبستين الصفراوتين إلا لماما ، يبخُّ منهما الدخان ؛ فيخضلُّ بشعره الأثيث السَّابغ المشتعل شيبا  . يداه معرورقتان ، ينط فوقهما نََمَشٌ بُنّي ضارب إلى السواد . يلف جسده الضامر ، دائما ، ببانطلون من الدانتيلا الرفيعة المشدود إلى الكتفين بقابضات من لُجين على شكل سوارٍ أبيضَ فضي .

قطع شارع سان ثورو ؛ ليجد نفسه متورطا ، كالمعتاد ، في كورال من اللَّجب  والصُّراخ يشق عنان المكان ، ألفه منذ ثلاثين عاما ؛ فحفر في ذاكرته أخاديدَ و خنادقَ لا تكف عن الامتلاء .

يقول الرِّيصاني بصوته المبحوح :

ـ خذ سيدي … العسل … برتقال … مثل… العسل .

ثمنُه بخْس …

لم نأكل مثله منذ زمان …

يعلو صوت زوجة المصري فوق صوت الرِّيصاني .

ـ الصَّعتر الفوَّاح… الصَّعتر الفوَّاح … مردقوش.

خذ سيدي … إنه من ضيعات سيدي بابا ، وما أدراك ما ضيعات سيدي بابا !

رائحته تزكم أنوفنا … يخفف نزلات البرد … يقوي فينا النُّفوس …

الصَّعتر الفوَّاح … الصَّعتر الفوَّاح… خذ مردقوش.

تردد لازمتها . وأذنا الكلب تدوران دورانا سريعا ، يُفَلْتِر بهما الأصواتَ غير المألوفة… وغير المعتادة . مناوشا دائما كما كان ، متفرِّسا في الوجوه العابسة المكفهّرة  . فيكتفي مسيو كاكو برفع أنامله الكدود على المعروضات ، قائلا بلكنة مختلجة و متعثرة :

ـ عيشك عيوني …

ـ عيشك حبيبي …

كعادته ، متأفِّفا ، ومنصتا لصرير الجر النَّافر وسط المَرْج والهَرْج .

3.

 ينبعث ، من خصاص هذا الباب القديم المتداعي ، ضوء يذوب بين الثُّلَم  والشقوق باهتا . ضرب الكلب بذيله عرضيا فرحا ، بعدما سمع صوت سيدته مدام لافيري يأتيه قويا ،  وطقطقات نِعالها الخشبية القبقابة ، على الدرج الاسمنتي ، ترتفع ايقاعاتها .

مدام لافيري امرأة عجوزٌ شمطاءُ . دائمة الابتسامة . مولعة بالرسم و الفن و التشكيل . كانت تعرض لوحاتها الزيتية في ساحة الشهداء قرب سينما المغرب . كنا نقتفي أثرها ، ونحن صغار، وهي تحمل لوحاتها الزيتية في حاويات من الخيش الأصفر ، وعند سور المغاوير تنشر بضاعتها أمام المارة . فكم  كان يستهوينا هذا المشهد الفني الشائق ، ونحن نعبث و نلعب  بهذه الأخياش الرطبة .  ذات الملمس الناعم الطري ، مقلدين المارقين عن القانون . عندما يوضع الخيش على وجوههم ، مكبلين أيديهم بأسورة فضيَّة ؛ فيُساقون ، تحت التهديد ، إلى حيث لا يعودون أبدا .

كنت أنتظر ولولة و جلبة من التفجُّع … و مسيو كاكو في هذه الحالة البئيسة كمومياء محنطة ، بل كنت أنتظر لطم الخدود، ونَتف الشعَر حتى تصير مدام لافيري مَرْطاءَ مقززة … تخرج في الجمع كعيشة قنديشة أو لالة عيشة البحرية . فهذا ما ألفنا مع زوجة المصري، عندما يعود بسيوني إلى البيت ، وقد فاضت متانته برائحة البول من فرط الهينيكن . تخرج مسرعة إلى الزقاق ، ترمي من على جسدها المترهِّل كل ما تتغشَّى به من ألبستها الداخلية ، إلا من روافدِ نهدين ممططين ؛ و تبانٍ موشَّى بالحرير و الصقلي البلدي .

4.

مدام لا فيري… لا .

مادام لافيري … شيءٌ ثانٍ .

برزانة المعمِّر و المستعمر .

وجهان لعملة واحدة .

رمية نرد في ساحة الشهداء .

5.

   ربتت على رأس الكلب فدسَّت طُعما في فمه … ازدادت وثيرة  الوَصْوَصة و الحبور الطفولي ؛ فشرع ينطُّ عليها معانقا تارة و مُهَمْلِجا قوائمه تارة أخرى … راقصا ، متفننا ، كعازف الأُكورديون . شكرته على صنيعه هذا ، عندما أحضر مسيو كاكو إلى البيت ، وهو شبيه بالمومياء المحنَّطة ، خاويا من طُعم الحياة ، متسربِلا بين الهَوْم و التّيه … و لا يقوى حتى على الكلام .

ينتفض ألما .

يتضوَّر جرحا غائرا ، لا ينضب له معين الألم  .

تتربص به نوباتٌ شبيهة بالصَّرع .

يسقط كأيِّلٍ مغميا عليه … هدفا للصيادين كان  .

تدرَّج في دمائه القانيَّة .

تحلَّق حوله نفرٌ من أغبياء القوم .

تجمَع مدام لافيري أشياءَه وأشلاءَه .

6.

   من فم مكتنز يلمع بريقُه كالكريستال ، صدحتِ الشمطاءُ مدام لافيري بضحكتها الطلقة الرفيعة الصَّافية  . فقالت بتعثر ، ناطقةً العينَ غينا والحاءَ خاءا:

ـ غيشك … غيوني …

ـ غيشك … خبيبي …

فسحت له المكان ، بعدما تأبطها ، و هو مستلق عليها جانبا من شدة الإعياء ؛ الذي لحقه . ببدن مهيض لا يطاوعه ، صعد به إلى المنزل ، كأنه يركب جسدا غير جسده ؛ ومن ورائهما كلبهما كالحارس الأمين . أجثاه الفرح و الحبور . يجثي و يربض … يوصوص … و يوصوص …

وصد الباب خلفهما بركلة من قوائمه الخلفية القصيرة المزغبة  … وقفز على الوصيد.

     

  

اترك تعليقا

لن يتم اظهار بريدك الالكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

: / :