عبد اللطيف الوزيري يكتب: زاكورة واحة بلا نخيل، مشهد محتمل

4 ديسمبر 2022



عُرفت زاكورة منذ تاريخ طويل بالنخيل الذي كان يشكل موردا أساسيا للساكنة فيها، إلى جانب بعض الزراعات المعيشية التي كانت تسد حاجيات السكان ويحققون بها وعبرها اكتفاءهم الذاتي.. ألفنا نحن أبناء المنطقة هذا المشهد، بطقوسه وحرماته وكل المعارف التي تنتج حوله والعادات التي تسخر له…إلخ. ربطنا كما هو حال الساكنة أجمع نوعا من الألفة مع هذه الأمور وتَشَكَّل لدينا شعورا رومانسيا معها.. حتى وإن كنا نحن الشباب بين الفينة والأخرى نعبر عن تمردنا أحيانا، وسخطنا وغضبنا أحيانا أخرى عن تقليدية هذا المجتمع، فإن ذلك لا يتجاوز حدود التمرد على التقاليد والعلاقات والأنظمة التي تنظمه والقوانين التي تحكمه، دون الثورة على الأرض وما تحويه من خيرات طبيعية كانت المورد الأساس الذي عشنا به..



يحلم معظم الشباب الذي ينتمي لهذه الرقعة الجغرافية إن لم نقل كلهم بالاستقرار في المراكز الحضرية والمدن الكبرى والعيش على نحو مغاير، أو بالأحرى على نحو أفضل، لكن، يحلمون في نفس الوقت أن يجدوا المنطقة في أحسن الأحوال عند العودة أثناء زيارة أو مناسبة.. لا يذهب الشباب إلى الحد الذي يجعلهم يقطعون الصلة بشكل مطلق مع واحتهم المكلومة. لكن ربما سيحدث ذلك عندما يتغير المشهد، وقد تغير أو بدأ في التغير بشكل يوجع العين قبل القلب. حال الواحة اليوم يثير نوعا من الإحساس بالألم، بالحنين إلى ماضيها حيث كان يطغى اللون الأخضر، ويعم كل مكان. أما الآن، فقد استسلم النخيل لسنوات الجفاف، وأرخى بجريده الأصفر كأجنحة غراب مكسرة. الماء “الصالح للشرب” أو الذي كنا نعتقد أنه كذلك، تغير مذاقه ببعض الدواوير، فمال إلى الملوحة، وفي دواوير أخرى ينقطع إلا للحظات يحضر فيها بشكل محدود. مياه السقي أيضا لم تعد تكفي في كثير من الأماكن أو كلها، لا لكثير ولا لقليل من الأراضي.. حال الواحة كما حال أهلها يطرح الكثير من الأسئلة: إذا استمرت الواحة على هذه الحال من سيبقى فيها؟ ومن سيستوطنها؟ لمن يشكو أهل الواحة حالهم؟ وعلى من يلقون اللوم؟ هل على رجال السلطة والسياسة؟ أم على أنفسهم؟ أم يكتفون برفع أيديهم إلى السماء مقتنعين أن ذلك بلاء من الله؟ إن الأجوبة كثيرة، لا يسع لعرضها مجلّد أو إثنين، أهل الواحة نقولها بصريح العبارة ونسطرها بالخط العريض، ليسوا ضحايا الطبيعة، هم ضحايا السياسات العمومية القائمة على التوزيع غير العادل للخيرات من جهة، وللمخاطر والأضرار من جهة أخرى. من يستفيد من خيرات المنطقة ليس سكانها وبسطاؤها من الناس، بل المستفيد لا ينتمي لها لا من قريب ولا من بعيد، المستفيدون ينتمون لناهبي المال والخيرات، في حين أن الأضرار يقتسمها أناس المنطقة ويتكبدون عناءها فيما بينهم. يكفي أن نطرح سؤالا دون الإجابة عليه لأن الإجابة واضحة للعيان: من يستفيد من زراعة البطيخ الأحمر(الدلاح)؟ ومن يؤدي ضريبته ويقتسم تأثيراته السلبيىة اليوم؟



بدأ الناس فعلا يدركون حجم الخطر، فمنهم من تخلى عن الفلاحة بشكل مطلق، ومنهم من تخلى عنها بشكل جزئي، ومنهم من يفكر في التخلي أو لنقل مضطر لذلك لا راغب.. الساكنة بدأت تهاجر، أو على الأقل تفكر في الهجرة، ومشكلة الهجرة هذه تحتمل الكثير من المشاكل والأخطار الأخرى لا نعلم ولا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي، ولا ندرى تبعاتها سواء على الواحة أو على المدن المستقبلة… إننا بشكل عام أمام مستقبل مجهول يمكن أن نذهب بالقول معه إلى إمكانية فقدان شيء اسمه الواحة..

لقد حان الوقت إذن لفتح التفكير في قضايا العدالة المناخية والإيكولوجية بالمنطقة، ولا يمكن ذلك إلا بتحقيق وعي بأهمية القضايا المناخية والبيئية بين الساكنة، وتلكم إحدى أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق شباب المنطقة -الجامعي بالخصوص- الذي يجب عليه المساهمة في تحقيق هذا الوعي كل من جهته وكل بطريقته، وعلى هذا الأساس، وفي هذا السياق بالذات جاء هذا المقال الذي يتغيا إثارة الموضوع، لتتبعه مقالات أخرى مفصلة..

———————————

عبد اللطيف الوزيري – مدينة زاكورة



اترك تعليقا

لن يتم اظهار بريدك الالكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

One comment on “عبد اللطيف الوزيري يكتب: زاكورة واحة بلا نخيل، مشهد محتمل

  1. Mohamed elmeshouli يناير 13, 2023

    نشكرك على هذه المعلومات القيمة.

: / :