جمال كريم يكتب: نظرية الإحتفالية وعلاقة المسرح بموسم أبي يعزا يلنور

4 يوليو 2022

 يمكن ربط الموسم بالمسرح بٱعتباره شكلا من أشكال الأدب ،الشعبي الذي طالما كنا من مرتاديه بحثا عن الفرجة ووقفنا في حلقته نشاهد العروض، وٱندهشنا من مواقفه الغريبة كالجذبة ، ورفعنا الأعلام متوجهين للهدية ، ورقصنا رقصا جماعيا إذ بذلك تحرر المسرح الشعبي من قيود كثيرة ظلت تعرقل وتقيد النص المسرحي الكلاسيكي حيث تحرر من قيود النص والخشبة والأضواء وعزلة الجمهور حيث عمل على توظيفها بشكل يخدمه ، وعمل على إدماج الكثير من الفاعلين بالإضافة إلى الشكل كالحلقة التي يأخذ المسرح الشعبي اسمها وبه اشتهر ، فأصبح أحد المسارح العريقة التي تستقطب جمهورا واسعا يحج إليها من المغرب وخارجه ، فكان *الموسم* فضاءا رحبا لمسرح الشارع الذي أقبل عليه الجمهور حتى من أوروبا بشكل كبير وشكل فرجة وتطهيرا أثار انتباه الحضور وقد استلهم من الحياة اليومية أشكاله الفرجوية ب ، حيث كان يتخذ من الحياة اليومية منهلا ومنبعا له، حيث كان الممثلون يؤدون الأدوار فوق ركح الشارع في ساحة البلدة الصغيرة التي عرفت بهذا النمط المسرحي هناك ، امام جمهور عريض ، وتختلف العروض بين بين الكوميديا والدراما والكوريغرافيا ، ومسرح الجسد الذي يعتمد الإيماءات، وكانت المواضيع المجسدة جزءا من المعاش اليومي ومن التراث المحلي والفلكلور ، ومن الألعاب المعروفة عندهم وكان جمهور المسرح الشارعي يتفاعل مع هذا النمط والنصوص المعروضة فيه حيث يطربون لما يلقى على مسامعهم ، وقد كان النص في غالب الأحيان حكايات وأساطير من التراث وإلقاءات شعرية مميزة ، من التراث العربي والمغربي والبوعزاوي خاصة .

إن ال الموسم بعناصره التي ذكرنا لهو جزء من المسرح الشعبي الاحتفالياختزن جزء مهما من الذاكرة الشعبية للمجتمع وعمل على توظيف جزء آخر السخرية والكوميديا والحكايات، حيث عملوا ” على استثمار الشخصيات الداهية كمحرك للكوميديا وكآلية من آليات فضح الواقع الاجتماعي من خلال تحويل الدهاء إلى ميكانيزمات درامارتوجية “¹ فالشخصيات هي قوالب لتمرير النصائح والتوجيهات واستقباح المناكر، فكان المسرح الشعبي في هذا الموسم متمكنا من آليات الإخراج والدراما، وتوظيف كل جزء في مكانه الصحيح وتوفير الفرجة ، ومن هنا يمكن الحديث عن منشأ الحلقة مثلا كفن مسرحي شعبي مغربي خالص .

إن الحلقة تعد مسرحا شعبيا مستقل الخصائص الفنية والعناصر والمنهج ، لكنه احتفظ منذ زمن طويل بنصه الشعبي الشفهي ، لكن الشفهية لم تمنعه من بناء صرحه المسرحي وانتشاره السريع والقوي في صفوف مجتمع بأكمله ، لأن المسرح الشعبي حافظ في سياقه على فضائه المكاني المفتوح إذ ساهم رقيه بإشراك الجمهور فاعلا منخرطا في سيرورة العرض ، وفتح آفاق المسرحي الشعبي الذي امتاز هو الآخر كونه أديبا وساردا وممثلا ومتمكنا من التراث ، كاتبا ومخرجا ، كما لعب الركح المفتوح دورا في إرساء معالم *الاحتفالية للجمهور حيث تدور كل عناصر الموسم في فضاء شاسع ، حيث يجتمع الرجال والنساء والأطفال والعمال والتجار والزوار والمارة وجميع الشرائح الاجتماعية في مكان الساحة التي فيها الحلايقي أو المجذوب أو الحضرة أو الرقص الجماعي إو مسرح السامر أو الحكواتي …لتأدية أدواره” ² فالمسرح الشعبي في الموسم تجاوز الركح المغلق إلى الفضاء المفتوح والممثل المتحرر من قدسية النص إلى تراث شفهي محفوظ في الذاكرة .

وقد سبق وأشرنا إلى أن الفضاء المفتوح ساهم في تميز المسرح الشعبي الإحتفالي بتجاوز الشكل التقليدي، وساهم في رسم لوحات طبيعية ضمنت انخراط الجمهور ومشاركته في الحياة الثقافية للمسرح والعروض، ومكن الحلايقي على وجه الخصوص من آليات وضوابط إخراج ناجح للعرض إلى حيز الوجود وتحقيق الفرجة، وهو ما جعل الحلقة تكبر وتصغر حسب الطلب والحاجة،.

لقد لعب المسرح الشعبي دورا مهما في العرض لكنه انبنى ايضا على قدرات من حضر للموسم من خلال بعث التراث من رماده ونفض الغبار عن قوالبه وبعثها في أبهى الحلل وألبسه ثوبا قشيبا يلفت الانتباه ويجلب الأذواق الرفيعة لفرجة الاحتفال ، وكانت قدرته على المحاكاة والارتجال إحدى أهم قدراته التي سلبت العقول ، ولكن مغازلتها الذاكرة الجماعية صار أهم مقوماتها ” فجوهر الخطاب في الموسم هو التمثلات الاجتماعية والثقافية المغربية”³، كما ارتبط الموسم ب *الرمز* كونها تعبيرا عن اللحظة الماضية حيث تستطيع ملامسة الحنين إلى التراث الذي جاء به الأجداد فعمدت إلى إحياء تلك العظام الرميم واستحضار الحاضر ومزجهما في عروض مسرحية جميلة ولوحات درامية كوميدية في ركحه المفتوح على كل شيء حتى النقد ، ولكن زمنها مقدس وخاص زمن ” الفراجة والاسترجاع الجماعي للذاكرة والأصل وللقرية والفج البعيد”⁴ .

إن نظرية الأجناس الأدبية في المسرح الشعبي أو في غيره وجدت لنفسها موطئ قدم ، ففي المسرح وجدنا أصناف معينة كالكوميديا والتراجيديا والدراما ، وهو ما ينطبق على الموسم كنعصر ونوع من السرح الشعبي بنى لنفسه أساليب مختلفة خلق كل جنس لنفسه فضاء مناسبا لنصوصه وعروضه ، لكن غياب توثيق الثقافة الشعبية الشفهية يحول دون تمكننا من إدراج كل الرواة “5 وهنا يمكن أن نقول إن القاسم المشترك بين المسرحين مجموعة من التقنيات المتعلقة بالحكي “كأسلوب تجسيد الفعل تجسيدا حاضرا بقوة الشخصيات أنفسهم بحيث يمنح المؤلف الشخصية ما يلزمها لتعبر عن نفسها “، وهنا نورد أمثلة حين يتقمص الحلايقي الدور دورا ما مقدم كل الأحداث ومفصحا عن الأهداف فكانه يلعب دور الزوجة مرتديا لباسها أو معبرا عن انشغالاتها ، ويؤدي الآخر دور الإبن وغيرها من الأدوار .

  • أسلوب الفعل المعاد تصويره :

وهنا يفسح الحكواتي الدور لمخيلته ويطلق العنان لقدراته السردية مصورا للحضور ما يمكن تصويره بالكاميرا ناقلا إليهم عوالم الأمس ليعيشوا الحوارات والحكايات كما وردت، وعلى كل فهذه التقنية هي ” أسلوب الحكي عن طريق السرد الوضعي التصويري لما بعد وقبل الفعل 6.

لعب المسرح الشعبي هنا إذن دورا في تثقيف الناس وتوعيتهم أشرك في فرجته الجمهور وعمل على اعتماد كل الأنماط الفرجوية وعلاقتها بالمسرح الشعبي، كما لعبت ساحة المدين التاريخية وساحات المدشر فضاء خصبا للعرض المسرحي الشعبي التي كانت معهدا ثقافيا ومركزا للحلقة يحج إليه الفنان عادة ليتقاسم مع الجمهور الفرجة والتطهير، ويرد نهر التراث فيساهمان معا في صناعة مسرحية شعبية للبيئة التي ينتميان إليها بإعداد الفضاء قبل ذلك وتشكيل الجمهور في جلستات جميلة.

إذن كان الفضاء المفتوح مكونا مهما جعل المسرح الشعبي الموسمي مفتوحا على مساهمات الجمهور الحاضر بإنارة وعناصر الإخراج أكثر بساطة وأقوى نفعا وإبداعا ، قد لا يضاهيه في ذلك المسرح الكلاسيكي ، ولكن قيام المسرح الشعبي في ساحات المدن والقرى له دلالاته الكبرى لأنه في الأول والأخير مسرح ينتمي إلى ثقافة الشعب وتراثه ، يحج العموم إلى تلك الساحات للاسترخاء والاستمتاع وبحثا عن فرجة مسرحية ألفها الناس ، مما جعلها قبلة للمسرح الشعبي والحلايقية لأنه مسرح نشأ في أحضان تلك الساحة وترعرع وبنى لنفسه قاعدة واسعة من المتتبعين ، وبهذا نخلص لكون الإحتفالية هي الرابط الأصلي بين هذا الموسم والمسرح ،

.

¹.رضوان حديد ، فن الحلقة المسرح والذاكرة الشعبية ، هسبريس ، 2ابريل 2010.

 .

².جدلية المقدس والمدنس في الأشكال الفرجوية بالمغرب ، منطقة الغرب نموذجا ، مجلة الثقافة الشعبية ، العدد21، ص 85.

³.ابو الحسن سلام ، اتجاهات النقد المسرحي المعاصر بين النظرية والتطبيق ، مؤسسة حورس للطبع والنشر ، ط1، 2005، ص316.

4.المرجع السابق ، ص317.

33.حسن المنيعي ، أبحاث في المسرح المغربي ، صوت مكناس ، ط1، 1974، ص 12.

5 .المرجع السابق ، ص13.

.

6.جدلية المقدس والمدنس في الاشكال الفرجوية بالمغرب ، مجلة الثقافة الشعبية .

جمال كريم –مولاي بوعزة

اترك تعليقا

لن يتم اظهار بريدك الالكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

: / :